الفصل التاسع و الأربعون : فراشة في المحيط


انكمشتُ في المقعد الخلفي للسيارة، محتضناً دفتر الرياضيات في محاولة يائسة لمراجعة ما حفظته. ما إن عبرنا حدود "الدولة المزدهرة" حتى داهمتني أضواؤها الإعلانية الصاخبة، وهدير محركاتها المزعج، وتتابع إشارات المرور؛ فوضى بصرية وسمعية كبّلت صدري بضيق خانق. وسط هذا الصخب، تعالت همهمة رتيبة ملأت أركان المركبة، حتى وجدتني، دون وعي، أنساق خلف إيقاعها وأرددها في سري:

«أوكنتِ تظنينني جاهلاً لا أعلم؟

لا تُدخل فراشةً عمق البحر وترتجي منها السباحة،

فلا وجود للزهور في التايتنك،

لا تبلغ أشعة الشمس قاع المحيط،

فكيف تبغي مني تصديق أن الفراش يقطن هناك؟

لا تكذب علي.. لا تكذب علي..»


توقفتُ عن الترديد مذهولاً، ورفعتُ رأسي لأكتشف أن يوسف كان يترنم بتلك الكلمات بصوت خامل، عازفاً بلحنها المستفز على أوتار ذهني. ركلتُ مقعده من الخلف صائحاً: «اهدأ، أنا أذاكر!». ذهبت محاولتي أدراج الرياح؛ فقد كان غارقاً في عالمه الخاص، واضعاً سماعاته بمعزل عن محيطه. ركلتُ المقعد ثانية دون جدوى، فاستشطت غضباً، وانحنيتُ بين المقعدين الأماميين منتزعاً سماعته المتصلة بالسيارة، وصرخت في وجهه: «اهدأ!».


شهق ملتفتاً نحوي بذهول متسائلاً: «ما بك؟» حين أدرك أني المتحدث ابتسم بارتخاء وقال:«هذا شعر الفنان كلاي!».


خرج صوتي أجش، مشحوناً بغضب وتوتر فاقا ما أردت كبته: «اللعنة عليك وعليه! تفصلني ساعات عن اختبار مصيري، ولا أريد لعقلي أن يحشى بهذا اللغو التافه؛ دعني أركز في دروسي».


لم أكد أتم كلماتي حتى انطلق صوت عبد المجيد من المقعد المجاور كطفل بليد يترنم بسخرية: «لا تكذب علي.. لا تكذب علي..».


زفرت بضيق معيداً جسدي إلى الخلف بتأفف: «هذا ما كان ينقصني فحسب!».

انطلقت ضحكة يوسف الساخرة، ورمقني عبر المرآة الأمامية قائلاً: «أتدرك أن هذه كانت آخر أغنيات السيد كلاي؟».

أجبت مقتضباً، وعيناي تلتصقان بالدفتر مجدداً: «ولِمَ ينبغي لي الاهتمام؟».


استطرد متجاوزاً الإشارة المرورية بتهور قبل تحولها للأحمر: «لأن خلفها قصة مثيرة؛ لم أظفر بهذه النسخة إلا عبر أخوالي الذين شهدوا عرضه الأخير».

نظرت إلى الطريق ممتعضاً من سرعته الطائشة، وعلقت: «أتشعر بالزهو لامتلاك شيء بهذه الندرة ؟».


كان عبد المجيد يعبث بأدراج السيارة، يرمق يوسف بطرف عينه متلصصاً، محاولاً فتح درج التخزين الأمامي بركلة خاطفة. ما إن انفتح حتى أعاد يوسف إغلاقه بقوة حازمة ممنعه من استراق النظر، متابعاً حديثه: «يمكنك قول ذلك؛ فبعد إطلاق هذا الألبوم ثارت شائعات وتكهنات حول سبب اعتزاله المفاجئ، قيل إنه غادر الدولة بمحض إرادته، وقيل بل نُفي منها قسراً».


زفر عبد المجيد حنقاً، بينما انحنيتُ أنا للأمام : «هل تطرد الدولة المزدهرة من يدرّون عليها الأموال؟».


غمز لي بابتسامة عريضة قبل أن يعيد تركيزه إلى الطريق: «السبب يكمن في هذا الألبوم تحديداً؛ مُنع من تأديته في عرضه الأخير، لكنه عاند القرارات وجعل الحفل متمحوراً حوله بالكامل. وحدهم من حضروا ذلك العرض ظفروا بالنسخ، إذ سُحب الألبوم سريعاً من الأسواق وحُظر بثه في المنصات كافة».

شاح عبد المجيد بوجهه متجنباً التدخل، بيد أن عينيه ظلتا تمسحان كل شبر في السيارة بتوجس شتت تركيزي، قبل أن يسترسل يوسف: «لا شيء صريحاً في الألبوم، والجميع يغرق في التكهنات؛ لم يتضمن كلمات مباشرة، لكن الجماهير رأوا فيه رسائل سياسية مبطنة، وآخرون زعموا صدامه مع رجل سياسي نافذ، لتدفن الحقيقة معه».


حدقتُ فيه مستفهماً: «وكلاي هذا.. لم يَعُد بعدها؟».


فتح نافذة السيارة، متكئاً بيده الحرة على خده مجيباً: «لا.. انقضت أربع سنوات كاملة دون أن يتردد له أثر، كأنه لم يكن يوماً، غير أن معجبيه ما زالوا يشعلون مواقع التواصل لأجله».


زفرتُ بحنق راكلاً مقعده مجدداً: «أنت خبيث، تجيد استدراجي لمهاتراتك السخيفة؛ ما شأني ومغنٍ فاسق؟!».

أجاب بمكر رتيب: «لم أنبس بشيء، أنت من سأل.. وأنا من أجاب».

ألقيتُ بظهري على المقعد متبرماً من ألاعيبه. ساد صمت قصير حتى تراءت لنا أسوار المدرسة. التفت نحونا قائلاً: «العاشرة، أليس كذلك؟ سأنهي بعض المشاغل ثم أعود لاصطحابكم. وفقكم الله».

أومأتُ له برأسي، بينما ترجل رفيقي ومضى مبتعداً دون أن يلتفت خلفه.

دنوتُ منه و كان شارداً في عوالم خفية، ينهب الأرض بخطوات متسارعة. ما إن حاديته حتى همس لي بنبرة مسمومة: «متعاطٍ مريض».

أجبته بذات النبرة الحذرة: «يوسف؟».

ألقى بنظرة خاطفة خلفه، ثم التفت إليّ وعيناه السوداوتان تتسعان بريبة خلف عدستي نظارته الدائرية: «سيارته تعج بعلب الأدوية.. أخبرني إذن، لِمَ يُلحُّ عليَّ دوماً بتناول الدواء؟». توقف لبرهة واستطرد بهوس: «كي أكون مجنوناً مثله!».

قبل أن أتمكن من الرد، قاطعنا نداءٌ مألوف. التفتُّ لأجد يوسف يلوح بحقيبة مدرسية من بعيد ، فإذا بالأخرق قد نسي حقيبته هناك. تلون وجهه بامتعاض جلي، ثم عاد أدراجه بخطوات واسعة نحو السيارة، منتزعاً إياها من يد يوسف بفظاظة دون أن ينبس ببنت شفة. حين تخطاني عائداً، اكتفيت بإيماءة شكر خفيفة ليوسف، ولحقت بخطوات الأخير الحانقة.

سألته محاولاً تهدئة روعه: «أليست مجرد أدوية للأرق؟».

أجاب من بين أسنانه بحنق: «عن أي شيء تتحدث؟».

تنهدتُ بضيق: «أقصد ما رأيته في سيارة يوسف».

رفع رأسه مستوعباً، وأومأ بتكرار محموم: «لا أدري.. لكنها كميات هائلة! لو كان قعيداً لما تعاطى كل هذا. ناهيك عن الأوراق المكدسة هناك.. لربما يخبئ تقاريري المسروقة بينها!». شرع يعض أظافره بحدة وتوتر.


ربتُّ على ظهره بقوة وأنا أتخطاه؛ يوسف يُقِلُّ العشرات في سيارته يومياً، ولن أعجب إن ترك أحدهم أغراضه سهواً كما فعل هذا الأبله قبل لحظات، لكن هوسه بالمؤامرات بات يلتهم عقله.

حسمتُ الحديث قائلاً: «بقيت خمس دقائق.. اذهب إلى صفك».


≈≈≈≈≈


انقضى الاختبار بسلام. خرجتُ من القاعة متأخراً بعض الشيء، لألتقي بعبد المجيد. تجنبنا صخب الطلاب وتجمعاتهم، وانتبذنا ركناً هادئاً نتناول فيه إفطارنا ونتبادل أطراف الحديث. انقضت نصف ساعة، تلتها ساعة كاملة، وبدأت ساحات المدرسة تفرغ . ضاق صاحبي ذرعاً بالانتظار؛ لعبنا الكرة مرتين، ركض حول المبنى مرات عدة لتفريغ طاقته، حتى أسلمه التعب لغفوة قصيرة. استيقظ بعدها ليصيح بضجر: «أين هو؟ لِمَ لم يأتِ بعد؟».


أجبته وأنا أدنو منه: «هاتفته مراراً دون فائدة.. حتى أنني طلبت من أحد المعلمين الاتصال به، لكن النتيجة كانت ذاتها».

تأفف بضيق نافذ: «لن أنتظره دقيقة أخرى، سأتصل بوالدي».

أجرى اتصاله بالعم فيصل، ووقفتُ بجواره أسترق السمع.

«أين يوسف؟ لقد أُنهكنا من الانتظار هنا!».


جاء صوت العم متفاجئاً: «ألم يُقِلّكم بعد؟ ابقَ معي على الخط».

أطلق الأخير زفرة حانقة أخرى، بينما انقبض صدري بتوجس؛ تخلفُ يوسف دون رسالة أو عذر أمرٌ يثير العجب. وقبل أن أوغل في التيه والهواجس، عاد صوت العم فيصل رزيناً هادئاً: «إنه في طريقه إليكم».


صاح الفتى بانفعال: «وأين كان؟».

أتاه رد والده صارماً كطعنة مباشرة: «اهدأ يا ولد.. الفتى تعرض لحادث سير وتحطمت سيارته.. استأجر مركبة أخرى وهو آتٍ إليكم الآن.. إياك وافتعال الفوضى، أتفهم؟».

زفر بتمرد: «سأطالبه بتعويض عن أضرار الانتظار هذه!». أغلق الخط بوجه والده؛ ياله من قليل تهذيب!


التفت إليّ بنظرة انتصار مجنونة: «أترى هذا؟ سبحان الله! في اليوم ذاته الذي أشك فيه بمحتويات سيارته، يتعرض لحادث؟ الصدف تلعب دورها ببراعة هنا!».

رددت عليه ببرود، متجاهلاً نحيبه ونظرياته: «أسيعرض سيارته و"ملفاته المهمة" للدمار كما تزعم، لمجرد أنك ارتبت في أمرها؟ أنت غارق في شكوكك.».

تشنجت ملامحه انزعاجاً، عقد ذراعيه وراح يلوح بيده في الهواء: «وما به عبد المجيد؟ أنا جلّاده وكاشف خططه! الجبان افتعل الحادث حتماً ليكسب تعاطفنا! لا تحاول إقناعي ببراءته أبداً!».

نفخت الهواء من أنفي بقوة وأشحت بوجهي عنه؛ آثرت الصمت على الخوض في جدال عقيم لا طائل منه.

انقضت ربع ساعة إضافية، حتى أطل أخيراً بسيارة صينية سوداء، يضغط على بوقها بتكرار مزعج. اندفع عبد المجيد نحوها وتبعته بخطى أثقل. وقفتُ محاذياً لنافذته متسائلاً: «مرت بسلام، هاه؟».

ضحك برفق، مجيباً بنبرة هادئة: «لا أعرف كيف انحرفتُ عن الطريق دون أن أشعر، لكن نحمد الله أن السيارة وحدها تكفلت بالنصيب الأكبر من الضرر.. الإجراءات انقضت بلمح البصر، أرسلوا شرطياً واحداً.. تخيل ههه، ظن أنني أُصبت حديثاً حين لمح الضمادة على رأسي، لكن ما إن تثبت من الأمر حتى انتهى كل شيء بلا تعقيدات».


من خلفه، لمحتُ عبد المجيد يستغل انشغالي بالحديث، ليعبث بمقصورة السيارة بحثاً عن أدلته الوهمية. وحين عاد خالي الوفاض، ضرب باب الدرج بقوة ممتعضاً. أمرٌ عجيب..

لم يرمش ليوسف جفن لسماع تلك الجلبة، بل تابع قائلاً : «هيا، اركب سريعاً، لا يزال علينا المرور لاصطحاب عمر». أشار لي بيده، فولجت إلى المقعد الخلفي.



رمقته عبر المرآة الداخلية، وقلت بحزم: «إنها مصيبة أن تظل تصدح بتلك الأغاني في سيارتك، عوضاً عن تحصين نفسك بالأذكار».

أطلق تنهيدة طويلة وعميقة: «فداؤها سيارتي.. أهون من أن تكون سيارة الوالد على الأقل».

تحركت المركبة ببطء، فالتقطت عيناه عينيّ عبر المرآة مجدداً متسائلاً: «كيف كان اختبارك؟».

هززت رأسي : «جيد.. ولله الحمد».

ضحك بمرح مستفز: «ما بال نبرتك المقتضبة هذه؟ أأفزعتك الأرقام إلى هذا الحد؟».

عقدتُ ذراعيّ بانزعاج واضح: «بل علقت أغنيتك الغبية في رأسي طيلة الوقت».


جلجلت ضحكته في أرجاء السيارة: «لا.. لا تُلْقِ باللوم عليّ!». خفتت ضحكاته تدريجياً حتى استحالت همساً خافتاً، تمتم بعده: «لا حول ولا قوة إلا بالله».

تلاشى الحديث بعد ذلك، ليسود صمتٌ مطبق يمتزج بإيقاع نقرات حذاء عبد المجيد العصبية المتوترة على أرضية السيارة.


≈≈≈≈≈


انتفض الشائك في مقعده مبتهجاً، مشرعاً نافذة المركبة فوق يوسف ليلوح بذراعيه صارخاً: «عمر! عمر! نحن هنا!».

اندفع الأخير من البوابة نحو بقعتنا، قابضاً على حافة الباب بلهفة: «ليتكم بكرتم قليلاً.. كان صديقي يود السلام عليكم!».

لوى عبد المجيد شفتيه بلامبالاة: «لا عليك منه، تعال إلى الداخل». تراجع إلى موضعه مستقراً، فتزحزحتُ جانباً مفسحاً المجال للقادم كي يتخذ مكانه في المقعد الخلفي.

«مركبة جديدة يا يوسف؟» سأل عمر، مائلاً برأسه بين المقعدين الأماميين بالتزامن مع تحرك السيارة. أشار بيده نافياً: «تعرضتُ لحادث سير هذا الصباح، واضطررتُ لاستئجار هذه بدلاً عنها مؤقتاً».

تفجر فضول عمر متسائلاً: «أوه! ألهذه الدرجة تضررت؟».


«أصيبت من ناحية الراكب.. الحمد لله، اقتصر الأمر عليّ وعلى العمود دون الاضطرار لخصومة مع أحد، بيد أن كاهلي أثقلته فواتير إضافية الآن!».

انطلقت ضحكة متوترة من عمر معلقاً: «أعانك الله.. مسؤوليات البالغين ليست بالهينة». زفر الأخير ملوحاً بيد مستسلمة، فيما استدار عمر بجسده نحوي، لتتسع عيناه بذهول باغت ملامحه؛ لم يكن الأبله قد أدرك وجودي إلا في تلك اللحظة: «صالح؟!».


رمقته بطرف عيني ببرود: «أجل، صالح بن نعمان بشحمه ولحمه».


حدق في ملامحي ملياً كأنه يستكشفها للمرة الأولى، منحنياً بجسده نحوي بتطفل مزعج، ونبرة طفولية مشوبة : «يا إلهي! تبدو ضئيل الحجم بزي المدرسة هذا! أقسم أنني لم أعرفك للوهلة الأولى».

تعالت ضحكة يوسف ملقياً بنظرة سريعة نحوي عبر المرآة الداخلية: «للمرة الأولى يبدو تلميذاً نجبياً حقاً..».


استعرت وجنتاي خجلاً وحنقاً، ضقتُ ذرعاً بتهكمهما؛ فشرعتُ في خلع سترتي المدرسية قاذفاً بها نحو الأحمق الجالس جواري، فككتُ أزرار قميصي الداخلي بعجالة. صاح السائق منبهاً، معدلاً المرآة الداخلية صوبي: «على رسلك! لا تتجرد من ثيابك في مكان عام فتورطني في مخالفة قانونية أخرى!».

«اصمت!» تمتمتُ بها من بين أسناني وأنا أفتح حقيبتي، مستخرجاً ثوبي وحزام خنجري. تعلقت نظرات عبد المجيد بي وهو يحتضن رأس المقعد الأمامي مبهوراً: «مذهل! لِمَ لم تطلعني على هذه الفكرة الخبيثة يا فتى؟».

أجبته مقتضباً وأنا أدس جسدي في الثوب: «لأن الغباء أعماك عنها». في تلك الأثناء، تبرع عمر بجمع شتات ثيابي المدرسية واضعاً إياها بجانبي، متسائلاً: «كيف سمحوا لك بالدخول لقاعة الاختبار حاملاً خنجراً؟».


أحكمتُ ربط حزامي معلقاً: «لم أخده معي اليوم، فلدي حدود ألتزم بها أيضاً!». تمتم الأخير بارتياح: «لقد عاد صالحنا هكذا». افترت شفتاي عن ابتسامة خفيفة، وشخصتُ ببصري نحو الطريق المسترسل أمامي، مستمعاً لمهاترات جوفاء دارت بين الصديقين الأخرقين.


التفتُّ نحو السائق مستفهماً: «لسنا ذاهبين نحو المرفأ؟». رمقني بلمحة خاطفة عبر المرآة قبل أن يعود بنظره نحو الطريق: «كلا، سأصطحبكم أولاً لتناول الغداء في مطعم والدي، ثم ينتظرني عمل في الجامعة وسأخذكم برفقتي».

«لن أذهب إلى أي مكان!» هتف عبد المجيد معترضاً على الفور. تجاهل الأخير احتجاجاته ببرود تام، مما أشعل حنق الفتى فصاح مجدداً مائلاً نحوه: «ألا تسمعني؟! إنني أحدثك أنت!».


أجاب وعيناه مسمرتان على الطريق الممتد: «سأنزلك في منتصف هذا الطريق إذن، وتدبر أمر عودتك بمعرفتك». تفجر انفعال الشائك راداً بجموح: «أتظن الأمر عسيراً عليّ؟ لست عاجزاً، وأملك القدرة على العودة قسراً!». فجأة، انقض بجنون على مقود السيارة يحرفه بعنف بينما كانت المركبة تنعطف، ما أخل بتوازنها. كبس يوسف على المكابح بكل قوته، فتوقفت المركبة بعنف قذفت بأجسادنا نحو المقاعد الأمامية.

دفعه يوسف بمرفقه بقوة حازمة، مثبتاً إياه في مقعده، بينما اتسعت عيناه بحدة صارمة لم أبصر لها مثيلاً منذ يوم الباخرة المشؤوم. التفت نحونا هاتفاً بصرامة: «عمر! أحكم وثاقه عندك!».

استجمع عمر أنفاسه المتهدجة متداركاً الموقف، اندفع للأمام مطوقاً خصر عبد المجيد بذراعيه القويتين، جاذباً إياه نحو الخلف، بينما استمر الأخير في ركل مقعد السائق بجموح عاصف. وجهتُ حديثي للذي يقيده: «أحكم قيده وسيهدأ روعه بعد حين».

التفت إليّ عبد المجيد وعيناه تشرزان شرراً وغضباً: «أأنت تأخذ صفه ضدي الآن؟». عقدتُ ذراعيّ فوق صدري مجيباً بنبرة حاسمة: «لا رغبة لي في قضاء نحبي بحادث سير أحمق تقودنا إليه نزواتك».


كز على أسنانه غيظاً، في حين أحكم عمر وثاقه محاصراً إياه بين ذراعيه مهدئاً: «على رسلك يا رجل، اهدأ! لم يقل ما يسيء إليك!».


«بلى! إنه يتعمد ذلك! يستمر في استفزازي لعلمه بمدى الضرر الذي يلحقه بي، يفعل ذلك مع سبق الإصرار!». آثر يوسف الصمت مطبقاً شفتيه حتى بلغت السيارة وجهتها المبتغاة، توقف أخيراً ملقياً بأمره ببرود: «هيا، ترجلوا».

غادر مقعده متقدماً إيانا. فتحت الباب زافراً بقوة هائلة علّني أهدئ من روع ضربات قلبي المتسارعة إثر النوبة العصيبة الماضية، ورمقتُ عبد المجيد بنظرة أخيرة: «أياً ما يختلج في عقلك من ظنون فهو محض وهم يا عبد المجيد.. أنت لا تجني سوى إرهاق نفسك بلا طائل». تركت خلفي صياحه الممتعض ومحاولات عمر المستميتة لترويضه، ولحقت بخطى يوسف الصامتة.


ولجنا إلى المطعم، فاستقبلنا العم سمير، والد يوسف، بوجهٍ طلقٍ. لقد انقضى وقت طويل حقاً منذ رأيته آخر مرة.

«صالح وعبد المجيد؟ حيا الله الوجوه الطيبة!» صاح مبتهجاً. كان عبدالمجيد ينساق خلفي بصمت كخروفٍ وديع، وما إن خطونا سويًا نحو العم سمير حتى احتضننا معاً بعناقٍ دبّيّ قوي، عبقت فيه رائحة اللحم المشوي، لدرجة كادت تخنقني.

حررنا أخيراً، وتعرف على عمر، مصافحاً إياه بحرارة، بينما كان الأخير لا يزال يرتجف من هول الموقف في السيارة. قادنا العم عبر المطعم الذي لم يكن يغص بالكثير من الرواد؛ بضع طاولات شغلها عرب، وأخرى تحلق حولها أجانب من جنسيات متفرقة. أجلسنا في زاوية هادئة حول طاولة مربعة، وهنا التفت يوسف إلى والده سائلاً:

«إحدى أخواتي في المنزل؟»


أومأ والده بالإيجاب وأشار برأسه نحو الباب الخلفي. لوح لنا يوسف معتذراً: «ابدؤوا بدوني، سأنضم إليكم بعد قليل»، ثم هرول مبتعداً.

غرقنا في صمتٍ ثقيل لبرهة، حتى قطعه عمر مميلاً رأسه نحو عبد المجيد، الذي كان يجلس بسكونٍ مريب على غير عادته: «لماذا فعلت ذلك يا أخي؟»

ظلت عيناي معلقتين الذي لاذ بالصمت للحظات، ثم خفض بصره وقال متمتماً: «لا أدري..». سكت وهلة قبل أن يضيف بحدة مكتومة: «استفزني».


ضرب عمر بكفيه على الطاولة محتجاً: «هذا ليس عذراً! أقسم أن روحي كادت تزهق».

أشاح الأخير بوجهه، وانخفض صوته أكثر: «أنت تبالغ».

تدخلتُ معلقاً بصرامة: «كن ممتناً! لقد أدخلك مطعم والده دون أن يفتعل مشكلة أو يطردك».

كزّ على أسنانه، ورمقني بنظرةٍ يتطاير منها الشرر: «لم يفعل ذلك من أجلنا يا غبي!».

قاطعنا قدوم العم سمير، مبشراً إيانا بأنه سيكرم وفادتنا على حسابه بأفضل ما لديه من اللحم. حاولتُ ثنيه، لكن مجادلته في الكرم كانت من سابع المستحيلات. توقف قليلاً ليستجوبنا عن حال يوسف ومدى رضانا عنه.

أجبت باقتضاب: «جيد».

بينما قال عمر بحماس: «عشرة من عشرة يا عم!».

لكن عبد المجيد تنهد بضجر وقال: «سالب عشرة!».

اتسعت عينا العم سمير كمن تلقى طعنة فقد كان رجلاً يتمتع بسماع المديح عن بِكْره فرفع حاجبيه بذهول مبالغ فيه. استغل الأبله الموقف، ورفع أنفه بوقاحة مضيفاً: «لم يعد يوسف جيداً كما عهدناه يا عم سمير! تكفل بتربيته من جديد لو سمحت!».

ضحك العم سمير متداركاً: «لا عليك يا ولدي، سأعيد تقويمه».

وما إن انصرف، حتى رمقني عبد المجيد بنظرة حادة متسائلاً: «والآن، ماذا يخبئ هذا هناك في بيت أهله؟»


زفرتُ بضيق: «يطمئن على أهله ويفعل ما يشاء، ما شأنك أنت؟»

ضرب الطاولة بقبضته: «لا تفقدني صوابي يا صالح!».

تدخل عمر مذعوراً: «ما بالك محموماً عليه هكذا اليوم؟»

عقدتُ ذراعيّ ببرود: «ليس اليوم فحسب، بل في كل يوم..».

زفر غيظاً، ونزع نظارته ليشرع في مسحها بعصبية: «لم أعد أطيقه! صدقاً، مجرد رؤية وجهه تبعث في نفسي اشمئزازاً لا يُحتمل..».

همس صاحبه منحنياً نحوه: «لماذا لا تتصالح معه وتنهي الأمر؟»

أضفتُ مؤيداً: «أنت لا تفعل شيئاً سوى زيادة التوتر في الجماعة، وكأننا لا نكابد ما يكفي».

أعاد نظارته إلى عينيه، وأطلق ضحكة ساخرة مريرة: «توتر الجماعة؟ هو! ذلك الممسوس هو بؤرة كل هذا الفساد! سأرافقه في رحلة جامعته هذه لسبب واحد فقط؛ أنا موقن بأنه يخفي أمراً جللاً! وسترون جميعاً، وأنت تحديداً يا كلب يوسف!». أشار بإصبعه نحوي، فلم أتمالك نفسي، وسددت له ركلة قوية من تحت الطاولة.

قلت وأنا أحدق في عينيه باحتقار: «هل أذكرك بمن كان يبكي في حضنه كالطفل حين لا يتلقى التصفيق الكافي على اختراعاته الفاشلة؟»

انقضّ من فوق الطاولة يشد شعري، لكنني تسمرت في مكاني دون حراك و لم أرد على طيشه فتدخل عمر على الفور ليفصل بيننا: «هشش.. ألا تبالغان؟ الأمر تافه!».

تبادلتُ أنا وعبد المجيد نظراتٍ سريعة مشحونة، ثم أشاح كل منا بوجهه في اتجاه.


قدم لنا العم سمير الطعام، وشرعنا نأكل على وقع أحاديث عمر المضجرة. تناهى إلى سمعي صوت يوسف من الجهة المقابلة؛ كان والده يحاصره بين ذراعيه الضخمتين، وبدا وكأنه يوبخه بصرامة. حين تحرر أخيراً عاد لينضم إلينا. جلس بجواري، ولاحظت أنه قد نزع الضمادة وأخفى جرحه بعناية.

بدأ يتناول طعامه، حتى باغته عمر بسؤال ينضح ببلاهةٍ لا يستوعبها سواه، وفمه يعج بالطعام: «ما خطبك يا يوسف، تزرع الفتن بين الجميع؟».

توقف يوسف عن المضغ، وأشار إلى نفسه بتعجب، ثم تساءل بحركة من يده: «كيف؟».

احتج عمر مشيراً بذراعيه نحو عبد المجيد: «اليوم كدنا نتعرض لحادث ثانٍ، وقبل قليل نشب شجار هنا.. ما بك يا أخي؟ اجمع شتاتهم!».


رمقنا يوسف وهو يمضغ طعامه ببطء شديد، ثم أتبع ذلك بتنحنح لتصفية صوته. لف ذراعه حولي مقرباً إياي منه بحركة مزعجة، وقال بنبرة هادئة: «أعلم ذلك.. والله لقد اعترفت لصالح ليلة أمس بتقصيري تجاهكم جميعاً. لكني.. كنت قد اقترحت أن نتوجه معاً إلى جزيرة الجيش، لننهي معاملات عمر وآيدال هناك».

صاح عبد المجيد منتفضاً: «الجيش؟!»

ثم أشار إليه بسبابته متشفياً: «ألم أخبرك يا صالح أنه عميل؟»

رمش عمر بتكرار أبله، واستفسر بلهفة: «أيعني هذا أننا حصلنا أخيراً على موافقة الأستاذ عثمان؟»

لاحظت أن يوسف سكن للحظة، يجمع كلماته بحذر، ثم أجاب: «أجل». رمقني بنظرة سريعة تحمل تحذيراً مبطناً، قبل أن يعود بنظره لعمر: «لكنني، وبعد تفكير في ليلة البارحة، لست واثقاً من صواب اصطحاب الجميع.. أعني، سالم مثلاً، لا أود أخذه، وضعه الحالي لا يسمح».


اتكأ عبدالمجيد بمرفقه على الطاولة، وقال بتهكم: «وتترك سالماً دون أن تُعلمه بالرحلة؟ قسماً سيهشم رأسك».

عقدتُ ذراعيّ مؤيداً: «أنا أوافقه الرأي.. لا يمكنك تهميشه هكذا».

همهم عمر وعيناه شاخصتان نحو السقف: « أظهر انضباطاً في جنازة والده، رحمه الله».

تجهّمت ملامح يوسف وضاقت تعابيره: «أجل، لأنها جنازته.. وبطبيعة الحال لن يثير الشغب فيها. لكنه.. كسر أولئك المعارضين الذين ألقينا القبض عليهم! هناك، قد يفرغ غله فيهم، ولا أريد إرهاقه.. وكلنا نعي جيداً ألاعيبهم المستفزة. لن أخاطر باصطحابه، هذا قرار نهائي».


حرك عمر يديه في الهواء محاولاً تلطيف الأجواء: «إذن، ماذا لو قلنا.. اممم.. رحلة للترويح عن أنفسنا؟ أعني، هل نعتبر زيارة الجيش نزهة؟! اسمعوا، لا أنكر فضولي لزيارة ذلك المكان، أريد أن أستكشفه! لكن، أهذه هي وجهتكم المعتادة للنزهات؟»

نزهة؟ .. 

تطلعتُ إلى طبقي، وغرقت في شرودٍ طويل بين ذكريات من خضرة الغابة البعيدة و أضواء الدولة قبل سنين : «ذات مرة.. خرجنا جميعاً هكذا، قبل عامين. كان الفصل شتاءً.. كنت أرتدي سترة طويلة.. كنا منهكين ومثخنين بكدمات تدريبات العم عثمان.. الهواء داخل الدولة كان دافئاً.. ذهبنا إلى مطعم وطلبنا تقريباً كل ما تحتويه قائمة الطعام..».


رفعتُ بصري؛ كانت يدا عبد المجيد مرخيتين فوق الطاولة، وتحدث بصوت خفيض: «يومها كسر سالم ملعقته فوق رأسي.. الدب الغبي.. هههه.. لكنه الآن لم يعد دباً، ولا مضحكاً..». أفرغ الهواء من رئتيه ببطء، ونظر بعيداً بضيق، ثم ركل الطاولة ركلة مزعجة جعلت الملاعق تتراقص فوق الأطباق.

في الجهة المقابلة، عاد عمر بنظره إلى يوسف: «لهذا أقول لك يا يوسف.. رحلة للجيش؟ هذا محض عمل آخر، وغير منطقي. نريد الترفيه عن سالم أيضاً.. أقسم أنه يتآكل من الداخل، وجهه يكاد يغدو كوجه آيدال!».


طوال حديثنا، كان يوسف مشبكاً يديه تحت ذقنه، شارداً في نقطة ما. أخيرًا، أرخى يديه وضغط على ما بين عينيه بتعب: «حسناً.. حسناً.. سأرى ما يمكنني فعله.. تحلوا بالصبر فقط. لقد نبهتموني لأمر غفلت عنه».

نهض قائلاً: «أتموا طعامكم الآن، هناك مصلى في المطعم، سنصلي الظهر ونتحرك فوراً».


≈≈≈≈≈


 الجامعة الوطنية للمستقبل الجديد..

صروحٌ شاهقة تمتد مبانيها بعظمةٍ مفرطة، وتتخللها حدائق غنّاء واسعة الأرجاء. لكن، ومهما بلغ سعيهم لإضفاء طابعٍ من الرقي، فإن كل ما يحاولون اصطناعه هنا يقف عاجزاً، باهتاً، ولا يرقى قط للجهد المبذول والجمال الحضاري والثقافي الأصيل المنحوت في زخرفات المرفأ وأبنيته التي تنبض بالحياة.

ما إن توقفت المركبة، حتى ترجل يوسف مسرعاً، وضرب بكفه على الزجاج الخلفي صائحاً بصوتٍ مكتومٍ تلاشى عبر النوافذ: «هيا ترجلوا.. لقد وصلنا!».

غادرنا مقاعدنا، وجال بصر عمر في الأرجاء ببلاهةٍ وانبهارٍ لم يفلح في كبتهما، متمتماً: «يا إلهي.. المكان شاسعٌ بحق! يا رب، ارزقني القبول في أروقة هذه الجامعة».


فتح يوسف صندوق السيارة الخلفي، وانتشل جبالاً من المنشورات الورقية المكدسة، وبالكاد استطاع التفوه من خلفها: «لندخلها معاً.. سنقوم بتوزيعها بالداخل».

دنوتُ من الصندوق متفحصاً؛ كانت أكوام المنشورات تملأ المكان، ولعل هذا ما استنزف وقته مؤخراً. خلف تلك الأكوام، لمحتُ حقيبة عملٍ جلدية صغيرة، منتفخة ومحشوة حتى تكاد سحّاباتها تتمزق. تجاهلتُها والتقطتُ إحدى الأوراق، فتصدرها عنوانٌ بارز:

"برنامج جسور الغد"

وأسفله خُطَّ بخطٍ أصغر: "برنامج زمالة المرفأ: للتدريب والبحث الميداني".

اتسعت عينا عمر الواقف بمحاذاتي، والتفت نحو يوسف بلهفة: «أهذا مشروعٌ حقيقي؟».

أومأ يوسف برأسه، واستدار بجسده نحونا مجيباً بثقة: «ما رأيك به؟ إنها فكرتي الخالصة!».

هتف الأخير منبهراً: «مذهل! أرجوك، أبقِ لي شاغراً حتى أتخرج وأنضم إليكم!».


انطلقت ضحكةٌ خفيفة منه: «أنت تعمل في المرفأ بالفعل، لِمَ قد تحتاج لبرنامجٍ كهذا؟».


رد عمر بانفعالٍ وحماسٍ متقد: «لا! هذا يوفر تدريباً مهنياً متكاملاً، ويضمن وظيفةً مرموقة!».


أشار يوسف برأسه نحو الرزم: «خذ نسخة إذن، وأراك بعد عامين..».

ثم توقف فجأة، ورمق عمر بنظرةٍ فاحصة من قمته إلى أخمص قدميه، مستدركاً: «لحظة.. أنت لا تزال في المرحلة الثانوية يا عمر!».

تجمد الفتى، ورمش ببلاهةٍ وهو يجيب: «أجل».

افترت شفتا يوسف عن ابتسامةٍ واسعة: «تعرف.. راودتني فكرةٌ ممتازة ستنفعك كثيراً، لكن أرجوك، ذكرني بها حين نرجع للمرفأ».

حمل عمر رزمةً ثقيلة من المنشورات بين ذراعيه وتابعه، فلحقتُ بهما. التفتُّ خلفي لأجد عبد المجيد يسير خالي الوفاض، فأشرتُ له بحزم: «خذ نصيبك من هناك».

رمقني بنظرةٍ محملة بالضجر، ولوّح بعينيه ممتعضاً: «لستُ ملزماً بمد يد العون له!».

أشحتُ بصري عنه متجاهلاً عناده، وتبعتُ البقية نحو مدخل المبنى.


"كلية الإعلام والعلاقات العامة"

كان هذا هو النقش البارز الذي يعتلي تلك البوابة الضخمة المهيبة.

بمجرد ولوجنا، دهمتنا أصواتٌ متداخلة وهمهماتٌ لا تنقطع، وحشودٌ من الشبان الذين يقاربون يوسف في العمر. توقفت مكاني، عيني تتبع يمينًا و شمالاً، شعور ملتوي غريب، العديد من الأوجه من كل شكل و لون، أخذت نفساً طويلاً وحاولت التركيز على يوسف فقط، أشار لنا بيده نحو طاولةٍ زجاجية أنيقة، فوضعنا حمولتنا عليها. وما إن استقرت الرزم، حتى التفت إلينا.

لم يكن هذا هو يوسف ذاته الذي كاد يودي بحياتنا في السيارة قبل قليل. في كسرٍ من الثانية، تبدلت هيئته؛ اعتدلت قامته، انفردت كتفاه، ورسم على ثغره ابتسامةً دافئة، واثقة، ومدروسةً بعنايةٍ فائقة لتأسر الألباب. لقد تقمص وجه الإعلامي بامتياز.

خلع سترته الداكنة ليبقى بقميصه الأبيض الناصع، وشمّر عن ساعديه بعنايةٍ مرتبة، ثم مال نحونا هامساً: «راقبوا.. وتعلموا».


لم يضطر للصياح أو التلويح لاسترعاء الانتباه. كان وقوفه بتلك الهيئة الطاغية كافياً. في غضون دقائق، راقبتُ كيف شرعت الرؤوس تلتفت نحوه تباعاً. همهماتٌ خافتة بدأت تسري كالنار في الهشيم بين تجمعات الطلاب المتناثرة في البهو الواسع، انخفضت الأجهزة اللوحية ، وتباطأت الخطوات العابرة.

«أليس هذا هو؟ الشاب الذي استُضيف في قناة الساحة الأسبوع المنصرم على منصة فوتيوب؟».


«بلى، إنه يوسف.. ممثل سفراء نوايا الأمل».

دنا منه شابٌ برفقة فتاة، وبادره الشاب بحماسٍ جلي: «يوسف! تابعتُ مقابلتك الأخيرة حول اندماج الأقليات.. كانت ملهمةً للغاية! أهذا هو مشروعكم المرتقب؟».

اتسعت ابتسامة يوسف، وصافحه بحرارةٍ وكأنه رفيق دربٍ قديم: «أهلاً بك! أجل، هذا هو 'جسور الغد'. نحن نبحث عن العقول المتقدة، تلك التي لا ترتضي القبوع خلف المكاتب بانتظار فتات الوظائف الحكومية.. هل ترغب في النزول إلى الميدان؟ دراسة الواقع، وصناعة التغيير الحقيقي.. والأهم، حجز مقعدٍ وظيفيٍّ مرموق حتى قبل نيل الشهادة!».

كانت عبارة "مقعد وظيفي" ككلمة سر سرعان ما ازدحمت الطاولة بالرواد بها، وتهافت الطلاب للإنصات إلى هذا الشاب الذي يعرفونه، والآن يقف بشحمه ولحمه أمامهم، يبسط لهم مستقبلاً مزيناً بالذهب.


وفجأة، قاطع يوسف حديثه، وأشار بيده نحونا بصوتٍ جهوري: «هؤلاء الفتية يمثلون مستقبل المرفأ المشرق! لِمَ لا تتفضلون بزيارتنا لتشرفونا؟ ربما تجهلون هويته، لكن هذا الفتى هنا هو ابن السيد نعمان شخصياً، وأحد أنبغ عقول المرفأ!».

فزعتُ.. انتفض قلبي حين تحولت بوصلة الاهتمام نحوي في لمح البصر. سكونٌ حادٌ ابتلع الجموع إثر هذا الإعلان المباغت، وتسمرت عشرات الأعين تتفحصني بفضولٍ متلصص. رمقني يوسف بابتسامةٍ عريضة، يدعوني صمتاً لمجاراته في مسرحيته.

بينما كان عمر في قمة نشوته، يوزع الأوراق بابتسامةٍ بلهاء لم تفارق وجهه، ويردد بصوته الجهوري الذي تردد صداه في أرجاء القاعة: «فرصة العمر يا شباب! إياكم وتفويتها!».


ابتلعتُ ريقي بصعوبةٍ بالغة، وأدركتُ في تلك اللحظة القاسية أنني لستُ، ولن أكون يوماً، مثل يوسف. لا طاقة لي ولا دراية بكيفية التعامل مع هذا الحشد المحدق بي. تمنيتُ من أعماق روحي لو أنني لم أتخلَّ عن زيّ المدرسة الباهت؛ فثوبي المطرز بعناية، وحزام خنجري الفارغ الملتف حول خصري، جعلاني أبدو تحت أضواء بهو الكلية الصارخة وكأنني لوحةٌ حية، انتُزعت للتو من أزقة المرفأ العتيقة، لتُعرض كقطعةٍ غريبة أمام أبناء الدولة المزدهرة.

كانت نظراتهم مزيجاً مربكاً من الفضول والدهشة، بينما ابتسامة يوسف العريضة والمشجعة تدفعني دفعاً . وجدتُ نفسي أتحرك بتصلبٍ ظاهر، سحبتُ حزمةً من المنشورات ومددتها نحوهم بحرجٍ يغلف حركاتي، محاولاً استحضار نبرة والدي الرزينة حين يفاوض كبار التجار: «أهلاً بكم.. أجل، المرفأ.. إنه.. إنه أرضٌ خصبة للـ..» استرقتُ نظرةً خاطفة إلى الورقة أستجدي الكلمة التائهة، ورفعتُ رأسي على عجل مكملاً: «للأبحاث! والمشروع يضمن لكم معايشةً حقيقية».


«ابن نعمان؟ حقاً؟» همست فتاةٌ في الخلف وهي تنتزع منشوراً من يدي. شعرتُ بأحشائي تعتصر حين أردفت: «تناهى إلى مسامعي أن والدك يخطط لتوسعة المرفأ ليغدو المركز التجاري الأول خارج العاصمة».


وتساءل آخر بلهفة: «أحقاً هناك مشروع بناء سفينةٍ عملاقة؟ إن زرتُ المرفأ، أيمكنني رؤيتها؟».

وقبل أن أتعثر في شباك إجابتي، انبرى يوسف لإنقاذي، واضعاً يده على كتفي بزهوٍ مصطنع: «بلى شك!! يمكن لأي شخص أن يراها ، كبيرة بشكل لا يوصف و ترونها وهي لا تزال هيكلاً! كل شيء مفتوح في البرنامج! وصالح هنا هو الدليل الحيّ على أن عقول المرفأ هي من تقود دفة التغيير. لقد أشرف بنفسه على مراجعة المحتوى الثقافي لبرنامج الزمالة، ليضمن توافقه مع تطلعاتكم الأكاديمية!».


رمقته بذهولٍ مكتوم؛ متى أشرفتُ أنا على أي شيء؟ لكنني ابتلعتُ اعتراضي، متشبثاً بقناع الثبات حين أبصرتُ علامات الانبهار ترتسم على وجوه الطلاب.

وسط هذا التدافع، شقّ صوت عمر الصخب من خلف الطاولة، يمد رزمةً لأحد الطلاب ويهتف مجلجلاً: «اضمنوا مقاعدكم يا رفاق! ابن نعمان شخصياً يشارككم الساحة، فماذا تنتظرون؟».


أعدتُ نظري نحو القائد. كان يتحدث بلباقةٍ مذهلة، يوظف إيماءات يديه ببراعةٍ لتجسيد أفكاره، ويوزع نظراته بعدلٍ ليُشعر كلَّ طالبٍ بأنه محور الاهتمام. لقد كان بارعاً.. بارعاً لدرجةٍ تبعث على القشعريرة. كيف لهذا الوجه المشرق، والمتحدث الفصيح، أن يكون هو ذاته الذي رأيته يوجه فوهة مسدسه نحو رأس المعارض في الباخرة يوما بدمٍ بارد؟ كيف يواري تحت هذا القناع الهادئ رجفة يديه؟ 

كيف يتقن هذه الازدواجية، وأعجز أنا عن افتعال مجرد ابتسامة؟

انسحبتُ بخطىً وئيدة نحو الخلف، تاركاً إياه يتصدر الواجهة وحده؛ فلم أعد أطيق ذلك الإحساس الخانق تحت وطأة الأضواء.

في الخلف، كان عبد المجيد متكئاً بكسلٍ فوق الطاولة، يحدق في أحد المنشورات بملل. قاطعته متسائلاً: «ماذا اكتشفت ؟».


أشاح بعينيه وأدار لي كتفه بفظاظة: «لا تتحدث إليّ حتى نهاية هذا اليوم».

مجدداً مع هذه الصبيانية!

فجأة، اندفع عمر نحونا، يهمس بابتسامةٍ عريضةٍ بلهاء: «أسرعا! انظرا إلى يوسف بسرعة!».

انتفض الشائك في ثانية، يراقب بتوجس، والتفتُّ أنا بدوري أستطلع المريب هذه المرة. ويا للعجب! رأيتُ يوسف يبتسم ابتسامةً مرتعشة، متوترة وغبية؛ رأسه منحنٍ، وجهه محتقنٌ بحمرة الخجل، يفرك مؤخرة عنقه بارتباك، بينما تقف أمامه فتاةٌ تحرك يديها بحماسٍ متدفق.

«من تكون هذه؟» سأل عبد المجيد بارتياب.

أكاد أقسم أن تسمرنا جميعاً لم يكن فضولاً لمعرفة هويتها، بل لهول المشهد؛ كيف استحال يوسف ذو القناع الحديدي إلى جروٍ وديعٍ خجول في ثانية ! لم أكمل بعد تعجبي من هيبته! 

همس عمر محللاً: «بشرتها برونزية.. أرجح أنها لاتينية، ملامحها لا توحي أنها عربية».

قفز عبد المجيد ليتعلق بظهر الأخير، يراقب بعينين واسعتين: «علمني! كيف تعرف ذلك؟».

أجابه باهتمام الخبير: «البشرة والشعر يا أستاذي.. هذا الشعر المموج المنسدل.. رأيت زميلات لاتينيات في فصلي يحملن ذات الصفات».


ضاق صدري، وقلتُ بحنق: «والآن تتحدثان عن النساء بوقاحة؟ كلاكما، ويوسف هذا، بلا وازعٍ من دينٍ أو حياء!».


سخر عبد المجيد راداً: «إن كان يوسف مشمولاً تحت هذا الوصف، فأنا أتفق معك». زادني رده غيظاً؛ كيف يتناول أمراً جللاً كهذا بخفةٍ وسخف!

رفع عمر يديه مدافعاً عن نفسه: «أقسم أنني أجاهد لغض بصري يا صالح، لكنه سأل سؤالاً عاماً فأجبته».

زجرته بحدة: «وإن كان عاماً! ليس هذا مبرراً للوقاحة!».


شتت الشائك انتباهنا مجدداً، يهمس مشيراً نحو يوسف: «انظرا! انظرا!».

التفتُّ حيث أشار؛ كانت الفتاة تلوح ليوسف مودعة، بينما تسمر ذلك الفاشل مكانه، يطارد طيفها بعينيه، وتعلو محياه ابتسامةٌ عريضةٌ بلهاء.

مسحتُ على شعري بيأس: «لا أكاد أصدق..».

أطلق عمر صفيراً خافتاً، وتنهد عبد المجيد مستنداً على كتف صاحبه: «آخ.. يبدو أن وباء العشق قد تفشى في الفرقة، هاه؟». رمقني بابتسامةٍ خبيثة، فأدركتُ مغزاه السام. صررتُ على أسناني وهتفتُ بحزم: «إياك أن تقرن اسمي بهذا الهراء أبداً! لا صلة لي بهذه الترهات! هذا فحش صريح، أبرأ إلى الله منه !».


عاد يوسف في تلك الأثناء ليلتقط حزمة أخرى من المنشورات، ورشقنا بنظرةٍ لائمة وهو يقول: «ما بالكم تقاعستم فجأة؟».

ارتفع حاجبي تلقائياً، وغُلِّفت نظراتي بطبقة من الاشمئزاز الصريح وأنا أحدق في وجهه المتصنع. عقد عمر ذراعيه فوق صدره قائلاً بنبرة متهكمة: «لقد كشفنا السر الكامن وراء تلهفك للمجيء إلى هنا يا صاح!». وتبعه عبد المجيد بضحكته الخبيثة المعهودة: «تخيل فقط لو علم أنور والبقية بأمر هذه الفتاة.. أقسم أنك ستُجلد حتى تستغيث! نيهيهي».


رمش يوسف بذهول، واتسعت عيناه حين أدرك المقصد الذي نرمي إليه، واحتقن وجهه كلياً بحمرة خجلٍ قانية لم نعهدها فيه: «الأمر ليس كما يدور في عقولكم الخاوية يا حمقى! إياكم وتشوية سمعتي في أروقة المرفأ!».

كانت نبرته المتوترة المرتعشة كفيلةً بفضح هلعه المكتوم، فعقدتُ ذراعيّ بدوري وأشحتُ ببصري بعيداً قائلاً ببرود: «أنا من سيتولى إبلاغ أنور بالتفاصيل».

وأضاف عبد المجيد بابتسامة ابتزاز مقيتة: «أقنعني أولاً بألا أفعل ذلك~».

في حين غمز له عمر مائلاً بجسده للأمام: «متى تنوي خطبتها إذن؟».

قيد يوسف صدغيه ببطون كفيه، وزفر زفرة حارة كادت تحرق الأوراق ، وتمتم بيأس: «اسمعوا.. سأوقف السيارة عند أول متجرٍ أصادفه، واشتروا منه كل ما تشتهيه أنفسكم، لكن كفوا عن زيادة الطين بلة بتكهناتكم الصبيانية هذه! لا وجود لأي علاقة، ولستُ فتى لعوباً.. بالله عليكم، هل ترونني متفرغاً لهكذا ترهات؟».

أجبناه بصوتٍ واحدٍ متهكم: «أجل!».


تسطحت شفتا القائد وهو ينظر إلى ثلاثتنا، وبدا مستسلماً تماماً أمام تكتلنا الأخرق، فأشار بيده يائساً: «بالله عليكم، دعونا من هذا العبث الآن، وانشروا معي ما تبقى من أوراق لننهي هذا اليوم العصيب».

استدار مبتعداً عنا، فتناولتُ حزمةً جديدة وشرعتُ في تمريرها على الطلاب العابرين، وحذا عمر حذوي يلوح بالأوراق ويصرخ معلناً عن الزمالة بصوته الجهوري.


ومع مرور الوقت، بدأت جموع الطلاب تتلاشى تدريجياً من البهو. من بين تلك الصفوف المتفرقة، التقط شابٌ منشوراً من يدي. لم أعره انتباهاً في البداية، فقد كنت أوزع الأوراق بحركة آلية، لكني لمحته بطرف عيني يقف في مكانه، يحدق ملياً في الأسطر المطبوعة، ثم رفع نظره ببطء شديد نحوي.

توقفتُ بعد خطوة، والتفتُّ لأرمقه بنظرة متوجسة.

كان شاباً يقارب يوسف في العمر، لكن كل تفصيلٍ في كيانه كان ينضح باختلافٍ جذري وصارخ عن محيطه. لم يكن يرتدي تلك الملابس المبهرجة والفاخرة التي يتباهى بها أبناء الدولة المزدهرة، بل ثياباً بسيطة، شديدة النظافة والترتيب. لحيته السوداء الكثة المهذبة بعناية، نصف وجهه مغطى بسبب شماخ سكري يتدلى من طرفي رأسه، ملامحه الهادئة التي تشع بالسكينة، وعيناه السوداوان المبطنتان والعميقتان.. كل ذلك أحاطه بهالة طاغية من الوقار، جعلتني أعدل من وقفتي لا إرادياً وأشد قامتي. نقر الشاب بإصبعه على حافة الورقة، ونبس بصوتٍ جهوري عربي فصيح يحمل رنة هادئة وآسرة: «برنامج زمالة وتدريب ميداني؟ صياغة ذكية بلا شك.. لكنها محاولة يائسة بعض الشيء لتدارك ركودٍ محتوم، أليس كذلك؟».


انعقد حاجبي بتوجس: «عذراً؟».


ابتسم الشاب ابتسامة صغيرة عابرة لم تبلغ عينيه، وخطا خطوة وثيقة نحوي: «أقصد الصمت المريب الذي بات يلف أزقة المرفأ يا فتى. شهران كاملان انقضيا منذ أن انقطعت أخبار تلك السفينة العملاقة، وفي أروقة الكلية هنا بين النخب الشابة من العرب لم نعد نناقش في حلقاتنا الفكرية سوى سؤال واحد: ما الذي يجري في الداخل؟ وهل حقاً بدأت القبضة الحديدية للسيد نعمان تتراخى وتضعف؟».


اتسعت عيناي بذهول، وتصلب فكي حنقاً ودفاعاً.

تابع الشاب بذات النبرة هو يلوح بالمنشور خفيفاً: «والآن، والانتخابات تقرع الأبواب، تخرج لنا هذه الأوراق بمنطق بلاغيّ باهر ومدروس. رمي طُعم 'الوظائف المرموقة' لنوابغ الجامعة الوطنية ليس سوى مناورة ذكية لتشتيت الأنظار، وصناعة صخب إعلامي زائف يُعيد للمرفأ صدارته في الوعي العام كقوة لا تُقهر.. إنها حملة انتخابية مبكرة، مغلفة بغلافٍ أكاديمي أجاد صاحبكم حبك تفاصيله».

تسمرتُ في مكاني عاجزاً عن النطق. 

اتسعت ابتسامته بزَهوٍ خفيف ضغط على ملامح عينيه: «أنت ابن نعمان، صحيح؟».

أومأتُ برأسي متأثراً بالمفاجأة دون وعي، فهز رأسه موافقاً وكأنه كان يدرك ذلك سلفاً.


رفع الشاب صوته قليلاً موجهاً حديثه لمن يقف خلفي: «أحلام معلبة الآن يا أبا أسامة؟ هل المرفأ قرر أخيراً تصدير سياسته المعقدة إلى قاعاتنا الدراسية؟».

"أبا أسامة؟"؛ أيتملك يوسف كنية ولم يبذل يوماً عناء مشاركتها معنا، ليعرفه بها عرب الدولة المزدهرة؟

التفتُّ بحدة إلى الخلف، متوقعاً أن أرى يوسف يستل قناع البرود الحديدي أو يندفع للدفاع عن المرفأ بشراسة كما يفترض أن يفعل . لكن ما حدث جعلني أنا وعبد المجيد وعمر نتسمر مدهوشين. 


وفي تلك اللحظة، تلاشت ابتسامة يوسف الإعلامية الزائفة تماماً، وأشرق وجهه بابتسامة فرح حقيقي وصادق لم أره عليه منذ زمن بعيد. ألقى بالمنشورات أرضاً دون مبالاة، وركض نحو الشاب باسطاً ذراعيه : حسن!».

تعانقا بحرارة شديدة، وربت يوسف على ظهره بقوة وهو يضحك من أعماق قلبه: «يا رجل! لسانك اللاذع هذا سيقودك إلى التهلكة يوماً ما! ألا يمكنك أن تقرأ ورقة دون أن تخضعها لمشرحتك النقدية؟».

بادله حسن العناق ، لكنه ما إن تراجع خطوة إلى الوراء حتى عادت الجدية لتستوطن عينيه. وضع يديه على كتفي يوسف، وتأمل ملامحه بصمت لثوانٍ معدودة. تلاشت ابتسامته و همس بصوتٍ دافئ : «وأنت يا أبا أسامة.. مشاريعك تتسع وتكبر، لكنك تذبل».

تصنم جسد يوسف للحظة، و اصطنع ضحكة باهتة: «أنا بخير، مجرد إرهاق ناجم عن مشاغل الحياة و..».

قاطعه حسن بصرامة هادئة وهو يتفحص وجهه تابعت معه نظراته و لعلي فهمت إلى ما يرمي فلم أكن قبلا ألحظ كذلك تلك الهالات الداكنة المحفورة تحت عيني يوسف، وشحوب بشرته الذي بالكاد يغطيه نشاطه المفتعل أو مساحيق التجميل : «لا تكذب عليّ يا أخي. أنت تحترق من الداخل لتُبقي كل هذه المسارح مضاءة أمام الناس. أياً كان ما تفعله بنفسك.. فهو ينهشك حياً. لا تَبَعْ روحك لسياسة لا ترحم، سيسألك الله عن صحتك وعمرك فيما أفنيتهما، ولا أحد منهم سيدافع عنك حينها».

تهرب يوسف من نظراته، والتفت نحوي بسرعة محاولاً تغيير مجرى الحديث، وقال بنبرة مبالغ في حماسها: «حسن، دعني أقدم لك صالح.. ابن السيد نعمان، وعبد المجيد، وعمر. لقد أتينا لتوزيع المنشورات و..».

وقاطعه حسن بابتسامة لطيفة وهو يمد يده ليصافحني: «وأتيتم لتتعلموا كيف تُدار اللعبة».


كانت قبضته قوية وحازمة. نظر إلى ثوبي المطرز وحزام خنجري، ثم شق بنظراته طريقاً إلى عيني مباشرة، متسائلاً: «تشرفت بلقائك.. ما كنيتك؟».


رمشتُ بتكرار، وتوقف دماغي عن العمل لبرهة. "ما كنيتك؟".. سؤال بسيط، لكنه في هذا المحفل بدا كاختبار صارم للرجولة والوقار. وأنا لم أفكر به أبدًا كدتُ أنطق بغباء: "ليس لدي.."، لكني ابتلعت الكلام في جوفي فوراً. الفتى الذي يرتدي ثوب المرفأ ويحمل إرث أبيه لا ينبغي أن يقف بلا كنية أمام رجل يحمل وقار حسن.

شددتُ على كفه بحزم، رافعاً ذقني لألاقيه بنظرة مكافئة، واستدعيت كل ذرة كبرياء تملأ عروقي وقلت بصوت ثاقب مستقر:

«أبو يَعْرُب!».

اتسعت عينا حسن قليلاً بتقدير، ثم انفرجت شفتاه عن ابتسامة دافئة مشرقة وهو يحرر يدي: «كنية ثقيلة الوزن، تليق بمقامك يا أبا يعرب! بارك الله في علمك وعملك».

ظللتُ عاقداً ذراعي بقوة استعرض هيبتي، فلن أسقط ها هنا في قلب الدولة المزدهرة المقيتة بل أنا من يفترض أن يجر ببهاء المرفأ و قوته لهنا! بينما توجه نحو عبد المجيد وعمر يصافحهما بزهو، وهما يحدقان به بأفواه فاغرة. وكما فعل معي، جعل حضور حسن الفتيان الآخرين يخترعان كنيات عجيبة على عجل و أنا الذي رجوت أن يأخذا الأمر بجدية لثواني قبل أن يفسداه ببلاهتهما ؛ إذ تنحنح عبد المجيد قائلاً: «أبو المرافئ»، بينما قال رفيقه : «أبو عمر». وشعرتُ حينها بالخجل يتسلل إلى وجهي نيابة عنهما لسخف ما نطقا به.


دنا يوسف من صاحبه وربت على كتفه بقوة: «إذن أخبرني، أأنت منضم إلى صفوفنا في هذا المشروع هذه المرة؟».

أجابه حسن وهو يلتفت نحوه: «والله يا أبا أسامة، ما أهدف إليه لا يتقاطع مع غايتك السياسية. أعلم أن في شباب المرفأ هؤلاء كل الخير، لكن مكاني الحقيقي هو هنا».

خطوتُ خطوة للأمام وقلت بحدة لم أملك كبحها: «أتفضل البقاء بين أهل الدولة هؤلاء وتترك أهلك وناسك في المرفأ؟ الأمر يتعدى مسألة تدريب أو عمل بعد هذه النقطة!».


انبرى عبد المجيد مباشرة، متربعاً فوق حافة الطاولة الزجاجية وركبتاه في الهواء: «له أسبابه الوجيهة بلا شك. لو كنت مكانه وعلمت أن هناك مجنوناً..» وشدد على الكلمة الأخيرة بنبرة حاقدة «يعيث في المرفأ فساداً، لما اقتربت منه خطوة واحدة». ووجّه ابتسامة عريضة متعمدة نحو يوسف.


كتم يوسف أنفاسه، ووضع يديه على خاصرته مشيحاً بوجهه بعيداً، ولاحظتُ حبات العرق البارد قد بدأت تطفو على جبينه.

رفع حسن يده وقطع التوتر بصوته المتأني: «ليس لي علم بوجود مجنون كما تزعم يا أبا المرافئ. وسببي ببساطة هو أن لا عمل لي هناك؛ فبوصلتي تقودني دوماً للسعي خلف مناظرة الشباب المقيمين هنا». ثم التفت نحوي متسائلاً: «أولا تظن يا أبا يعرب أن القاطنين في هذه الصروح بحاجة إلى بوصلة إصلاحية أخلاقية تذكرهم بهويتهم؟».

وقبل أن أتدبر رداً مناسباً، استطرد يوسف موضحاً بزهو: «حسن من أبرز الفاعلين لدينا في نادي المناظرة، ولم يفلح أحد في الهيمنة عليه في مناظراته الأخلاقية والدينية الفذة!».


هز حسن يده بتواضع جم: «لا تزكني يا أخي.. هذا محض توفيق من الله».

فمد يوسف يده إليه متمسكاً: «أولا تريد نشر هذا التوفيق لتنير به عقول شبابنا في المرفأ؟».


ابتسم حسن ابتسامة صغيرة، وقبض على كف يوسف: «يدي بيدك يا أبا أسامة.. أنا أدعم منهج حزبكم طالما استمر متمسكاً بمرجعيته الإصلاحية القويمة».

أومأ يوسف مقتضباً: «طالما كسبنا صوتك وتأييدك، فلا حاجة لنا بشيء آخر».

في تلك اللحظة الحرجة، انطلق صوت رنين حاد ومفاجئ من جيب يوسف. استل هاتفه المشفّر، وتغيرت ملامحه فور رؤيته لهوية المتصل. همس معتذراً من صاحبه بأن عليه استقبال هذه المكالمة الطارئة، وسار مبتعداً عنا بضع خطوات.


تابع حسن طيف يوسف المبتعد، قبل أن يلتفت نحونا، وتحديداً نحو عبد المجيد، وقال بصوت هادئ ومدروس:

«صاحبكم لا ينام جيداً.. أليس كذلك؟»


تبادلنا، أنا وعبد المجيد، نظرة سريعة مشحونة. هذا الشاب لا يرمي كلماته عبثاً.

تنحنح عبد المجيد، وقد وجد في كلام حسن ثغرة ليفرغ شحنته: « وهل أراقب نومه أنا؟ بل قل إنه يغرق في سمومه! كنت أقصده حين قلت أنه..»


«أنه مجنون؟» قاطعه حسن بابتسامة، وهز رأسه ببطء: «لا يا أبا المرافئ.. المجنون لا يحمل جبالاً على كتفيه. و هذه الجبال تملك رعبًا ...رعبُ رجلٍ يبني جدراناً من الأسرار، ويخشى في كل لحظة أن تنهار فوق رأسه».

نقل حسن بصره إليّ، وكأنه يقرأ حيرتي :

«راقبه جيداً يا أبا يعرب. السياسة في هذه الدولة تأكل أبناءها. لا يكفي أن تكون مجرد جنود في حملته فيفقد عقله ويجن..».


صر الشائك على أسنانه و نظر بعيدًا بضيق: «أنت لا تعرف أي شيء ».


أراقبه؟ أي مراقبة يتحدث؟ فعلت ذلك ، شككت و ظننت لكن كل شيؤ انقلب ضدي، لا..إنه ليس لا يعرف، بل هو يعرف شيء لا أعرفه أنا ابن المرفأ!. هل أدرك هذا الشاب الغريب بنظرة واحدة ما كنا نتجادل حوله طوال اليوم؟ أردتُ أن أسأله، أن أستزيد من بصيرته، وهنا، كعادته في تمزيق اللحظات العميقة، قفز عمر بيننا بحماسه المعهود ، ودسّ رزمة صغيرة من المنشورات في يد حسن بابتسامته البلهاء العريضة: «ممتاز! بما أنك معنا الآن يا أخ حسن، خذ هذه ووزعها على زملائك في النادي! ولا تنسَ أن تخبرهم أن ابن نعمان شخصياً أشرف على تفاصيلها!».

رمقتُ عمر بنظرة حارقة تمنيتُ لو تصعقه في مكانه وتخرسه، بينما ضحك حسن بخفة وأخذ الأوراق منه بلطف قائلاً: «أبشر يا أبا عمر، سأفعل». نظر إلى ساعته ثم أضاف: «ستبدأ مناظرتي بعد نصف ساعة من الآن، أتحضرون لمشاهدتها؟».

رفع عبد المجيد ذراعه فوراً: «سأأتي حتماً!».

و تحمست أنا كذلك لكن كف يوسف امتدت معترضة وهو يعود إلى منتصف حلقتنا؛ كانت عيناه منضغطتين بشكل مرعب، وتعابير وجهه متشنجة للغاية. أي مصيبة حلت بالمرفأ الآن؟

قال بنبرة حازمة وقاطعة لا تقبل الجدال: «عندنا عمل هام وعاجل في المرفأ.. بإذن الله في المرة القادمة».

ثم التفت إلينا بقسوة أخرستنا: «هيا ثلاثتكم.. إلى السيارة فوراً!».

أومأ حسن برأسه متفهماً الموقف الحرج، ودعناه بكلمات مقتضبة وتركناه مكانه، عادين أدراجنا نحو السيارة.. عائدين إلى المرفأ والمجهول الذي ينتظرنا هناك، وأخيراً.


≈≈≈≈≈


طريق العودة غرق في صمت مطبق، خاليًا من أي نقاش أو حتى همس. قاد يوسف مركبته بسرعة جنونية، حتى أنني لمحت وميض كاميرا ترصد رابع مخالفة مرورية تُسجل في رصيده هذا اليوم. كنا نحن الثلاثة متكدسين في المقعد الخلفي، نلعق المثلجات في محاولة يائسة لمجابهة نهار شديد الحر. لست واثقاً من صحة شعوري، لكن لظى الدولة المزدهرة بدا أشد قسوة من أي مكان آخر. وحتى إن أخطأ حدسي.. فما دمت قابعاً بين أحضان أراضيها، فبلا شك ستحترق روحي قبل جسدي.

تكدسنا جميعاً نتكئ على نافذة واحدة. صرخ عمر مذعوراً: «خفف السرعة!». بينما تمتم عبد المجيد مسترخياً بجانبه في لامبالاة: «الهواء بارد هكذا منعش~».



تراجعت قليلاً للوراء، مسلطاً بصري نحو المرآة الأمامية لأتفرس في انعكاس السائق. كان العرق يتفصد من جبينه، وعروق ناصيته نافرة تنبض بوضوح، في حين راحت أصابعه تنقر على المقود بإيقاع عصبي متسارع.

عدت أتكئ على النافذة أرقب الطريق المنسحب، حتى عبرنا أخيراً حدود المرفأ. توقفت المركبة بانعطافة حادة كادت تطيح بنا من الباب. وقبل أن يستقر هيكلها المعدني تماماً، شُرع الباب وانطلق يوسف راكضاً صوب مبنى "أمن المرافئ"، لم يلتفت خلفه، ولم يلقِ علينا حتى نظرة وداع عابرة.

تزامن ذلك مع خروج أنور ونعيم من المبنى ذاته. تجاوزهما كعاصفة هوجاء، فالتفتا يرمقان طيفه المندفع بذهول جلي.


ترجلنا متثاقلين. ما إن وقع بصر نعيم علينا حتى تهللت أساريره، ودنا بخطوات مسرعة تسبقها ابتسامته الودودة المعهودة: «أهلاً بالطلاب! كيف كان الاختبار؟ هل واجهتم صعوبة تُذكر؟».


خصني بسؤاله، فزفرت بقوة كمن يزيح عن كاهله جبلاً، وأجبت: «الامتحان؟ كان أيسر ما مررنا به اليوم. أحمد الله أنني ما زلت أتنفس، ولم ألقَ حتفي في حادث سير مروع، والفضل يعود لقنفذ شائك ظن عبثاً أن اختطاف المقود في منتصف الطريق دعابة مضحكة!».


اتسعت عينا نعيم صدمة، ونقل بصره صوب عبد المجيد الذي شرع يندفع نحو البوابة التي ابتلعت يوسف. غير أن أنور كان أسبق؛ وبذراع واحدة، قبض على ياقته من الخلف، رافعاً إياه عن الأرض قليلاً، ليجمده في مكانه كالدمية.

«دعني! أريد معرفة ما جرى! ألم تروا كيف كان يتصبب عرقاً؟ ثمة كارثة تقبع بالداخل!» صرخ الشائك وهو يرفس الفراغ بقدميه محاولاً التملص.

رمقت الصديقين متسائلاً: «هل تناهى إلى سمعكما خطب ما في الداخل؟ لم يبدُ عليه أنه بخير».


هز نعيم كتفيه بحيرة: «لا شيء جلياً، مجرد همهمات حول مستجدات تخص المعارضة.. يبدو أنهم فقدوا أثر القادة أو ما شابه ذلك».

سكت عمر لبرهة، ثم تساءل بنبرة مهتزة: «أيتوجب علينا التدخل؟ ربما بوسعنا تقديم يد العون؟».

وجهت إليه نظرة صارمة، أقطع بها دابر الشك: «دورنا يقتصر على حماية المرفأ فحسب. ما دام أمنه مستتباً، فلا شأن لنا بما يعتمل خارج حدوده. أليس كذلك؟».

لم يُعقب أنور على كلماتي، بل استمر في رمق عبد المجيد الذي واصل شتم يوسف تحت أنفاسه اللاهثة، مثبتاً إياه بقبضته الفولاذية. علق نعيم قائلاً: «إنه أحد تلك الأيام التي يُودع فيها عبد المجيد صوابه تماماً».

همهم أنور موافقاً وهو يخطو بمحاذاتنا بينما سرنا خلفه: «أجل.. يبدو أن التمرد ينتشر بين الصغار هذه الأيام».

كلمة "الصغار" ضربت وتراً حساساً في أعماقي. شعرت بحرارة غاضبة تزحف صعوداً نحو رقبتي، لكني كبحت جماحها متجاهلاً إياها. في تلك الأثناء، انبرى عمر متابعاً: «رغم كل شيء، أقر بأن ليوسف قدرة مرعبة على ضبط النفس. قام بحادث سيارة، ذهبنا رفقته، وزعنا منشورات الجامعة، وكان هادئاً بسكينة تثير الذهول!».

 كف عبد المجيد عن المقاومة بغتة. رفع سبابته عالياً في الفضاء، كمن عثر للتو على السلاح الفتاك لتدمير سمعة القائد، وصاح بأعلى صوته: «يوسف حادث فتاة!».


تسمر أنور ونعيم في مكانيهما كمن صعقهما تيار كهربائي مباغت. استدارا نحونا، ومعالم الصدمة الصارخة تكسو ملامحهما.

تدخلت على الفور، عاقداً ذراعيّ فوق صدري ومؤكداً: «أنا أشهد على ذلك».

تنفس أنور بعمق، يصارع لاستيعاب الفكرة الدخيلة، وسأل بنبرة جافة خالية من المشاعر: «في أي سياق تم ذلك؟».

لوّح ذو النظارات الدائرية بيده ساخراً: «أي سياق؟! خلا الأمر من أي سياق! كان يحدق بها كأبله مسلوب الإرادة!».

أضفت بحدة قاطعة: «تهرب من استجوابنا مسرعاً. إما أن يطرق باب خطبتها، أو فليبتعد عن المرفأ. لن نسمح له بتلويث سمعتنا بمثل هذه التصرفات الصبيانية!».

لدهشتي البالغة، لم يشاطرنا أنور هذا الغضب المشتعل، بل نطق ببساطة تامة: «أنا أدعم الزواج المبكر».


ضحك نعيم برفق، ملتفتاً نحو رفيقه: «لو أُتيحت لك الفرصة، أتقدم على الزواج؟».

أومأ برأسه في جدية تامة: «لا أمانع ذلك قط، بيد أن نظام الدولة المزدهرة لن يصدر لي تصاريح الموافقة.. سيتذرعون بأنني قاصر».

لم يتمالك عمر نفسه، فعلق بسذاجته المعهودة: «كل تفصيل فيك يوحي بأي شيء.. إلا أن تكون قاصراً يا أنور!».

افترت شفتا أنور عن ابتسامة عفوية صغيرة يندر ظهورها على ملامحه الصارمة. التفت نحو عمر: «معلوم.. معلوم».

اكتسى وجه عمر بحمرة داكنة، واتسعت عيناه ذهولاً وإحراجاً شديدين: «لا تزال تذكر هذا؟!».


انطلقت ضحكة مكتومة من أنور، شاركه فيها نعيم، بينما وقفت أرقب المشهد الصافي. وسط هذه الألفة العابرة، انسلت عيناي صوب عبد المجيد؛ كان قد عاد للاتكاء على ذراعه بضيق خانق، يشخص ببصره بعيداً نحو المبنى الأمني. بدا غريباً، ليس منا، ولا منخرطاً في أي تفصيل مما يجري حولنا.. كأنه سجين هواجسه التي لا تنتهي. وذلك ما خشيت أن يحدث له. 


≈≈≈≈≈


ما إن فرغتُ من صلاة المغرب حتى اهتز جيبي باتصالٍ من والدتي، تحثني بنبرتها الحانية على الإسراع في العودة إلى المنزل لِأكبَّ على الاستذكار استعداداً لامتحان الغد. أشرتُ لها بالإيجاب، مدعياً أنني في طريقي بالفعل، بيد أن خطاي كانت تهبط في الحقيقة منحدراً آخر؛ طريقاً موحشاً آثرتُ تجنبه طوال الشهرين الماضيين. طريقاً يفضي نحو الجسد العملاق للسفينة الكبرى، التي باتت تقبع كشاهد قبرٍ صامت وسط حوض الصيانة الرطب؛ حيث تجمّدت المحركات الفتية وانخرست الروافع بغتة برحيل كبير المهندسين، العم هاني. كان غيابه الفاجع أشبه بخللٍ مفاجئ أصاب سويداء قلب المرفأ النابض، ليتوقف المشروع الذي أفنى فيه زهرة خططه وأيامه.

غير أن المرفأ مجبولٌ على ألا يعرف السكون الطويل؛ فقبل أيامٍ قلائل، استأنفت الإدارة العمل بعدما عيّنت نائب العم هاني مديراً جديداً للمشروع، ليقود جحافل العمال ويستكمل ما بدأه سلفه الراحل. عادت أصوات المطارق الحادة لتشق سدول الليل البهيم، وتطايرت شرارات اللحام مجدداً لتصبغ عتمة الرصيف بوميضٍ برتقالي متقطع، في حين امتزجت رائحة الطلاء الطازج برطوبة الملح والحديد، متغلغلة في صدري بحدة. ومن بين غبار العمل وظلال الروافع الشاهقة كالأشباح، لمحتُ قامةً عهدتها جيداً، تقف وحيدة عند مقدمة الهيكل الفولاذي الضخم. إنه سالم.


كان يقف شاخصاً ببصره إلى الأعلى، ويبدو ضئيلاً، بل متناهي الصغر أمام ذلك المارد الحديدي الذي يطاول عنان السماء. اقتربتُ منه بخطىً وئيدة حذرة، لكنه لم يلتفت إليّ؛ إذ كان حتى هو مستغرقاً بكليته في عالمٍ خاص به، عالمٍ أشد ضيقاً وعتمة من الساحة الفسيحة التي نذرعها. تذكرتُ في تلك اللحظة نبرة والده الراحل الحازمة والغيورة وهو يتحدث عن السفينة ملوّحاً بيده الفظة: «اليوم تجري عملية تركيب المروحة الرئيسية للسفينة الأم.. لن أتهاون مع أي خللٍ طفيف يصيب ابنتي العزيزة!». والآن، تقف "ابنته العزيزة" هنا في العراء لتواصل نموها تحت إشراف أيدٍ غريبة، بينما صانعها مغيبٌ في لحد تحت التراب.


وقفتُ إلى جواره، وأسلمتُ عينيّ لذات الأفق الذي يرقبه. مرت ثوانٍ مثقلة بالهدوء، لا يقطع دثارها إلا صخب العمال البعيد وهدير الآلات، قبل أن يشق الصمتَ صوتُ سالم الخفيض، والمجرد من أي رمقٍ للحياة:

«عادت الحركة إليها..».

التفتُّ إليه بطرف عيني، أبصرتُ مقلتيه المتعبتين تعكسان بريق الشرار المتطاير من قمم الرافعات، فقلتُ محاولاً بث بعض العزاء:

«النائب يبذل قصارى جهده ليعيد المشروع إلى مساره».

اكتفى بهز رأسه ببطء شديد دون أن يشيح بنظره عن ألواح الصلب المتراصة كالدروع. أطرقتُ برأسي نحو الأرض، أجمع شتات الكلمات المبعثرة في ذهني، محاولاً انتشاله من وحدة صمته المرير، فهمهمتُ بضعفٍ ثم أردفت:

«الأشخاص خارج حدود المرفأ.. ينهشهم الفضول بشأنها أيضاً، حتى العوام منهم. اليوم في جامعة يوسف، قابلتُ أحداً من هؤلاء.. كان يسأل عما آل إليه أمر السفينة».

التفتَ إليّ سالم ببطءٍ مهيب مرعب، كمن يستيقظ قسراً من كابوس ثقيل الملامح. كان يربط عصابته الحمراء بحدة فوق جبينه لتغطي منبعه تماماً، وبدت الشامة البارزة على خده الأيمن أكثر ووضوحاً تحت الضوء العمودي القاسي للكشافات المنصوبة. تلاقت عيوننا، ولم ألمح فيها ذلك الشرر الغاضب الحارق الذي شهدته ليلة الساحة الرملية؛ لقد انطفأ جمر روحه تماماً، ولم يتبقَ في حدقتيه سوى سوادٍ غائر، مطبقٍ ومظلم.

مرر كفه المجهدة الخشنة على وجهه، ونبس بنبرة مقتضبة:

«وما شأنهم بها؟ أولئك الذين يقبعون في رغد النعيم.. لا يفقهون شيئاً عن طين المرفأ ».


ثم استدار مجدداً نحو عملاق الصلب، ومدّ يده ليضع راحته على جدارها الحديدي البارد، يواسي شقيقة له في مصابهما المشترك، وتابع بصوتٍ متهدج كاد يبتلعه ضجيج المطارق: «في كل فجرٍ آتي إلى هنا، يتملكني الوهم بأنني سأجده قائماً في الأعالي، يوجه المهندسين بزئيره المعهود بوجه المقصرين.. والآن أقف مكانه، فلا أسمع سوى صدى صوتي المخنوق يرتدّ إليّ..».

شعرتُ بلساني يثقل في فمي، وجفّ ريقي أمام هول انكساره. نظرتُ إلى موضع قدمي أستجمع شجاعتي وأفكاري، ثم قلتُ بصوتٍ مخنوق غلبه التأثر:

«هو لم يرحل تماماً يا سالم.. لقد ترك لك هذا الإرث العظيم، ومسؤوليتنا أن نحميه بكل ما أوتينا من قوة».

سحب سالم كفه عن الجدار البارد، ودسّها في جيب سترته، ثم التفت ليمشي مبتعداً بخطوات ثقيلة ومتهالكة، لا تشبه خفة الفتيان الذين يماثلونه في العمر:

«الإرث يحتاج إلى رجالٍ صلبين.. وأنا لا أشعر أنني حيّ بما يكفي لأحمل قطعتين من الحديد فوق بعضهما».

توقف لبرهة خاطفة دون أن يكلف نفسه عناء الالتفات خلفه، وأضاف بصوتٍ هامس:

«اذهب وذاكر لامتحانك.. لا تضيع وقتك الثمين معي يا ابن نعمان».

شعرتُ بحلقي يجف من شدة الوجوم، وبفمي ينعقد عاجزاً عن النطق، بينما اتسعت عيناي بذهولٍ ومرارة. تقدمتُ خطوة للأمام وأنا أحرك يدي في الهواء بقلة حيلة: «هنا لا دخل بأني ابن نعمان! هذا..... ليس هذا ما نشأنا عليه، وليس هذا ما علمنا إياه العم عثمان!».


لوّح بيده في الفضاء بزهدٍ وبساطة، وقال بصوت جامد كالصخر:

«إذا عاد.. سلّم لي عليه».


استمر في سيره غائراً بين ظلال الروافع الشاهقة وغبار الطلاء الكثيف، تاركاً إياي واقفًا وحدي في عتمة الرصيف الموحش. وقفتُ أراقب ظله الضئيل وهو يتوارى تحت الظل الطاغي للسفينة الكبرى، التي بدأت تستعيد أنفاسها الحديدية اللاهثة من رحم الركود، بينما كان صديقي يغرق أكثر فأكثر في قاع محيطٍ مظلم لا قرار له، ولا.. ليس وحده، هذا الوباء يغرقنا الواحد تلو الآخر، ولا أعرف.. لا أعرف ماذا يفترض بي أن أفعل؟.. 

ــــ صالح




تعليقات